
الذكاء الاصطناعي في المغرب: من رصيد الكفاءات إلى امتحان الأثر
· قراءة تحليلية مستقلة
طموحات وطنية وشراكات دولية تفتحان المجال، لكن الاختبار الحاسم يبدأ عند تحويل المعرفة إلى خدمات نافعة، ومقاولات منتجة، وتقنيات تفهم المجتمع بلغاته وحاجاته.
من الإمكانات إلى الأثر
لا تتحدد قيمة الذكاء الاصطناعي بعدد المرات التي يرد فيها اسمه في الخطط والندوات. قيمته تظهر حين يختصر على مواطن رحلة إدارية، أو يساعد مقاولة على تحسين إنتاجها، أو يمنح باحثًا أداة لفهم مشكلة محلية. ومن هذه الزاوية، يغدو السؤال المغربي أكثر دقة: كيف تتحول الكفاءات العلمية والفرص التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة، لها أثر يمكن قياسه خارج قاعات العرض؟
يفتح الوصف الرسمي لحلقة «IA: le potentiel marocain» من برنامج «Nouvelles Pistes» على ميدي 1 هذا النقاش، بإبرازه مؤهلات الشباب المغربي، والانفتاح على الشراكات الدولية، والحاجة إلى استثمار متواصل وتطبيقات تستجيب للواقع الاقتصادي والاجتماعي واللغوي. وانطلاقًا من هذه المحاور، تقدم هذه المادة قراءة تحليلية مستقلة تستند إلى مصادر مؤسسية؛ وهي ليست تفريغًا للحلقة أو نقلًا لتصريحات ضيوفها. [1].
الأرقام تعلن الطموح، والتنفيذ يحدد قيمته
يحمل النقاش اليوم مرجعية رسمية أحدث من العناوين العامة للتحول الرقمي. ففي بلاغ مؤرخ في 8 سبتمبر 2026، عرضت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تقدم خارطة طريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030»، معلنة أهدافًا تشمل توليد 100 مليار درهم من القيمة المضافة للناتج الداخلي الإجمالي، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين واعتماد 200 ألف كفاءة في أفق 2030. هذه أهداف معلنة، وليست حصيلة منجزة أو نتائج مضمونة. [2].
أهمية هذه الأرقام أنها تتيح مساءلة المسار بمعايير أوضح. غير أن قراءتها تقتضي معرفة كيفية احتساب القيمة المضافة، وتعريف الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وطبيعة التكوين الذي يؤهل صاحبه للعمل. فالشهادة القصيرة، والتخصص الجامعي، والخبرة البحثية، حلقات مختلفة، ولا يصح اختزالها في رقم واحد من دون بيان ما تضيفه كل منها.
والمعيار الأجدى هو وصل الأهداف بمواعيد مرحلية ونتائج منشورة: ما الخدمات التي تحسنت؟ وما المشروعات التي تجاوزت التجربة؟ وأين توزعت فرص الشغل؟ عندئذ يصبح الطموح أساسًا للمحاسبة والتعلم، ويكتسب الجمهور وسيلة لمتابعة التقدم بدل الاكتفاء بانتظار نهاية العقد.
الكفاءة تحتاج إلى مسار مهني
يبقى التكوين مدخلًا حاسمًا. وتحدد الوزارة، ضمن برنامج تقوية المواهب الرقمية بالجامعات العمومية، هدف رفع عدد الخريجين من ثمانية آلاف إلى 22 ألفًا و500 خريج سنويًا في أفق 2027. ويتعلق ذلك بالتخصصات الرقمية عمومًا، فلا يجوز تقديمه باعتباره عددًا خاصًا بخريجي الذكاء الاصطناعي. [3].
لكن توسيع قاعدة الخريجين يفتح سؤالًا موازيًا: إلى أين ينتقل هؤلاء بعد التكوين؟ فالمهندس يحتاج إلى مشكلات حقيقية يعمل عليها، والباحث إلى تمويل وزمن للتجريب، وصاحب المشروع إلى زبون أول يختبر منتجه. وإذا ظلت الصلة ضعيفة بين الجامعة والإدارة والمقاولة، أمكن أن يرتفع عدد الشهادات من دون نمو مماثل في القدرة على إنتاج حلول قابلة للاستخدام.
من هنا تبرز قيمة التكوين المرتبط بمشروعات ميدانية، والتدريب داخل المؤسسات، والفرق التي تجمع المعرفة التقنية والخبرة القطاعية. كما يستحق المغاربة العاملون في الخارج قنوات تعاون مرنة: إشرافًا علميًا، ومهمات بحثية، وشراكات تجارية. فبناء الخبرة الوطنية يمكن أن يستفيد من حركة المعرفة عبر الحدود، شريطة أن يترك وراءه فرقًا محلية أكثر قدرة على الاستمرار.
البيانات هي العمل الذي لا يظهر على المنصة
وراء كل عرض تقني جذاب عمل أقل ظهورًا: جمع البيانات، وتصحيحها، وتنظيمها، وتحديثها، وتحديد صلاحيات استعمالها. ويشير بلاغ سبتمبر 2026 إلى ورش «Data Factory» المخصص لإعداد البيانات لاستخدامها في نماذج الذكاء الاصطناعي، وإلى «Software Factory» لتقاسم المكونات البرمجية القابلة لإعادة الاستخدام بين الإدارات. [2].
وتوحي هذه الأولويات بأن الانتقال إلى التطبيق يمر عبر البنية اليومية للمؤسسات. فحين تتباين أسماء الحقول، أو تتكرر السجلات، أو تتقادم المعلومات، تصبح جودة الخدمة رهينة بجودة ما تتلقاه الآلة. وقد تكون إعادة تنظيم قاعدة بيانات أجدى من إضافة واجهة محادثة جديدة إلى نظام مرتبك.
أما السيادة التقنية، فيمكن ترجمتها عمليًا إلى أسئلة قابلة للفحص: من يملك حق الوصول؟ ومن يستطيع تدقيق النظام؟ وهل يمكن نقل البيانات واستبدال المورد من دون تعطيل الخدمة؟ وهل تستطيع فرق محلية صيانته؟ هذه الأسئلة تمنح الاستثمار معنى تشغيليًا، وتساعد على تقدير تكلفته طوال دورة الاستخدام، بما فيها الأمن والتحديث والتكوين.
اللغة شرط للانتفاع بالخدمة
في المغرب، تقاس ملاءمة التطبيق أيضًا بقدرته على التعامل مع العربية والأمازيغية والدارجة، ومع الانتقال بين اللغات داخل الحديث الواحد. ولذلك لا يكفي أن ينتج النظام جملًا سليمة في اختبار عام؛ المطلوب أن يفهم السؤال كما يطرحه المستخدم، وأن يتعرف على الأسماء والمصطلحات المحلية، وأن يصرح بعجزه حين لا يملك جوابًا موثوقًا.
وقد نبه تقييم اليونسكو لجاهزية المغرب، المنشور في 2024، إلى الحاجة إلى تنويع لغوي أكبر في الخدمات الرقمية، وإلى فجوات في البنية التكنولوجية. وتُقرأ هذه الملاحظات بوصفها تشخيصًا لمرحلة سابقة، لا حكمًا آنيًا يتجاهل التطورات الرسمية اللاحقة. [4].
والدرس العملي هو أن الشمول اللغوي يحتاج إلى بيانات مناسبة واختبارات يشارك فيها مستخدمون من بيئات مختلفة. يمكن، مثلًا، تقييم مساعد إداري على أسئلة واقعية بطرائق نطق وكتابة متعددة، ثم مقارنة نسبة الفهم والأخطاء. عندها تغدو اللغة جزءًا من ضمان جودة الخدمة، ويصبح رصد تفاوت الأداء خطوة لازمة قبل تعميمها.
ابدأ بمشكلة محددة، ثم اختبر الحل
تستطيع المؤسسات تقليل مخاطر الاستثمار حين تبدأ بمهمة واضحة ومحدودة. ومن التطبيقات الممكنة، على سبيل المثال، مساعدة الموظف على البحث في وثائق معتمدة، أو تصنيف مراسلات داخلية، أو رصد عيوب في سلسلة إنتاج. وهذه أمثلة تحليلية على مجالات الاختبار، وليست ادعاءً بوجود مشروعات وطنية محددة أو بنجاحها مسبقًا.
قبل إطلاق التجربة، يلزم تحديد الوضع القائم: كم تستغرق المهمة؟ وما نسبة الخطأ؟ وما التكلفة؟ ثم تقارن النتائج بعد إدخال الأداة، مع احتساب وقت المراجعة البشرية. وقد يكشف الاختبار أن إجراءً أبسط أو تحسينًا تنظيميًا يحقق الغرض بكلفة أقل. الاعتراف بذلك جزء من حسن الإدارة، لأن الهدف هو حل المشكلة.
ويستحق الانتقال من التجربة إلى التعميم قرارًا مستقلًا. فما يعمل مع فريق صغير وبيانات منتقاة قد يتعثر أمام آلاف الطلبات اليومية. ولهذا ينبغي اختبار الضغط، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، وسهولة الرجوع إلى مسار بديل. وفي الخدمات التي تمس حقوق الأفراد، تزداد أهمية المراجعة البشرية وتفسير القرارات وإمكان الاعتراض عليها.
الشراكة تُقاس بما تتركه من قدرة
للتموضع الدولي شواهد مؤسسية ملموسة. ففي 2024، أعلنت اليونسكو إرساء مركز «AI Movement» ضمن مراكز الفئة الثانية التي تعمل تحت رعايتها، بالتزامن مع منتدى الرباط للذكاء الاصطناعي في إفريقيا. وأبرزت توصيات المنتدى البنية التحتية، والبيانات الخاصة باللغات الإفريقية، والتعاون، وتنمية القدرات. [5].
وتمنح هذه الروابط المغرب مساحة للمساهمة في نقاش إفريقي يتصل بحاجات قريبة من واقعه. لكن قيمة الشراكة تستقر في تفاصيلها: هل تتيح للباحثين موارد وتجارب مشتركة؟ وهل تمنح المقاولات فرصًا لتطوير منتجات؟ وهل تنقل خبرة يمكن الاحتفاظ بها وتوسيعها؟ الاتفاق الجيد هو الذي يمكن تتبع أثره بعد انتهاء مراسم توقيعه.
وثمة مثال على الجمع بين التكوين والمواكبة: أعلنت اليونسكو في أغسطس 2024 برنامجًا لتكوين رائدات أعمال من 28 دولة إفريقية، بالشراكة مع «AI Movement» وبدعم مؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط، مع اختيار 15 رائدة للحصول على منح ومساندة. وتبقى استدامة هذه النماذج مرتبطة بمتابعة المشروعات بعد التدريب وقياس قدرتها على بلوغ السوق. [6].
الثقة تُبنى قبل التعميم
لا تنفصل الجدوى الاقتصادية عن ثقة المستخدم. فالمؤسسة التي تعتمد أداة ذكية تحتاج إلى معرفة حدودها، وطريقة حماية البيانات التي تمر عبرها، والجهة المسؤولة عن معالجة الخطأ. ويحتاج المواطن إلى وضوح مماثل، خصوصًا حين تؤثر الخدمة في وصوله إلى معلومة أو إجراء أو حق.
لهذا يمكن أن يتضمن تقييم أي مشروع أسئلة بسيطة: هل يعرف المستخدم أنه يتعامل مع نظام آلي؟ هل يستطيع الوصول إلى شخص مختص؟ هل تُسجل الأخطاء وتُصحح؟ وهل تظهر النتائج تفاوتًا بين فئات المستخدمين؟ لا تفترض هذه الأسئلة تعطيل الابتكار؛ إنها تمنحه شروطًا تساعد على بقائه بعد حماسة الإطلاق.
والخلاصة أن الفرصة المغربية تتوقف على القدرة على وصل حلقات متباعدة: تكوين جيد، وبيانات صالحة، وتمويل متصل بالحاجة، ومؤسسات قادرة على التجريب والمراجعة. وحين تتكامل هذه الحلقات، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من أداء الاقتصاد والخدمة العمومية. هناك يُحسم امتحان الإمكانات: في أثر يلمسه الناس، ويمكن التحقق منه، ثم تحسينه.